السؤال:

السلام عليكم..

    ابني البكر عمره 4 سنوات، لا يتركني أبداً، وإذا غبت عن عينه يبدأ بالبكاء، ولا يسكت حتى يراني. جربت معه اللين والقسوة، ولا شيء نفع معه! حتى أن الذين حولي انزعجوا منه، فما الحل؟

الإجابة: أ. أميمة صوالحة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. شكراً على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم “مستشارك الخاص” وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:

 

    عزيزتي الأم: حياك الله، نلمس من كلماتك الحيرة وبعض العجز عن تجاوز ضغوط تعلق طفلك الزائد بك، ونبث إلى قلبك الطَّمأنينة بأن نخبرك بأنَّ تعلق الأبناء في مراحل الطُّفولة المبكِّرة بالأمهات أمر يكاد يكون طبيعيَّاً، ولا يخلو منه بيت من البيوت، فمن المألوف أن تكون الأم المصدر الرئيس لإحساس الطِفل بالأمان وهي التي تحمله في أحشائها شهوراً عديدة، وتحتضن وترضع وتعتني بحنان.

 

   وقد لا تعد مشكلة التَّعلُّق الزائد مشكلة عظيمة في حد ذاتها، لأنَّ حقيقة التَّعلق تعني الكثير من الحب والخوف من غياب مصدر الحماية، إلا أنَّ تجاوز عمر الثالثة مع استمراريَّة ذات النَّمطيَّة في الارتباط والتَّعلق، وتضاعف الخوف من الاستقلال التَدريجي عن الأم؛ يعد المشكلة التي تحتاج إلى سياسة تربويّة واعية لتداركها والتَّخلُّص منها.

 

    ثمَّ يصبح ذلك التَّعلُّق المتزايد بالأم نقطة ضعف في شخصيَّة الطِّفل مع مرور الوقت، مما يحرمه ويحرمك كأم من الاستمتاع بأنشطة وفعاليَّات مجتمعيَّة منوَّعة، إضافة إلى أنه يعيق أداء الكثير من المهام الحياتيَّة لكلا الطَّرفين.

 

    إليك تفصيلاً للمشكلة وأساليب لمعالجتها، نسأل الله أن يعينك على تجاوزها بنجاح:

 

    أولاً: تعلُّق الأطفال بالأمهات على وجه الخصوص تتفاوت مدى حدَّته من طفلٍ لآخر تبعاً لعوامل متعدِّدة اجتماعيَّة، وتربويَّة، ونفسيَّة كذلك، نوجز لك بعضها للفائدة على النَّحو التَّالي:

 

  • القدرات الخاصَّة بكلِّ طفل واحترام خصوصيَّة تلك القدرات.

 

  • الإشباع العاطفي للطفل بما يحاكي احتياجات كلّ مرحلة من عمره، وبصورة متوازنة دون حرمان أو إفراط.

 

  • التَّعامل الإيجابي مع تدريب الطفل منذ مراحل عمره الأولى على المهارات النَّمائيَّة الموازية لعمره.

 

  • تهيئة البيئة بالعناصر التَّربويَّة والتَّعليميَّة الجاذبة.

 

  • العلاقات الاجتماعيَّة المحيطة في الأسرة.

 

  • تفاوت نسبة الخوف الطَّبيعي في قلوب الأطفال تجاه غياب مصدر الحماية والطَّمأنينة.

 

  • الكفاءة في دمج الطِّفل بأنشطة مساندة منذ طفولته تشغله عن جعل الأم مركز حياته الوحيد.

 

  • عناصر متعلِّقة بسمات شخصيَّة ونفسيَّة.

 

    ثانياً: لابد من دراسة حالة طفلك للوقوف على حقيقة وجود أسباب خاصَّة خفيَّة خلف تضاعف تعلُّقه بك وتجاوز سن الرَّابعة دون تناقص تدريجي طبيعي لذلك الارتباط، ويكون ذلك من خلال ملاحظة الطِّفل وقياس قدراته، وقد تستعينين في هذا المجال ببعض مراكز الطُّفولة المختصَّة، أو روضات الأطفال المعنيَّة، ونفيدك ببعض التَّحسُّبات:

  • إن كانت لديك عاملة تقوم على رعاية طفلك في غيابك، فادرسي أسلوب معاملتها له، وكوني حريصة على أن لا تسيء معاملته في حال غيابك الاضطراري.

 

  • طفل الرَّابعة من العمر قادر على الحوار وتوضيح ما تعجزين فهمه عن حقيقة قلقه وخوفه من غيابك، فقد تكون بعض الخبرات السَّلبيَّة السَّابقة في حياته سبباً لتعلُّقه المتزايد بك، لذلك استرجعي معه ما تخزِّنه ذاكرته من خبرات سابقة، عن طريق الحوار والرَّسم واللَّعب لتفريغ تلك الشَّحنات السَّلبيِّة إن وجدت.

 

  • غيرة الأطفال من الأخ الأصغر أو المولود الجديد إن وجد تكون حافزاً قويَّاً لتشكيل مخاوف شديدة حول إهماله وغياب والدته وانصرافها عنه.

 

    ثالثاً: لابدَّ من التَّعامل مع الإرشادات والأساليب العلاجيَّة التَّالية للمساعدة:

 

  • عليك تقبُّل حاجة طفلك النَّفسيَّة الخاصَّة وارتباطه الوثيق بك، وعدم مواجهته بحدَّة وقسوة؛ لأنَّ ذلك يضاعف الأمر، فمن له غيرك ليرحم ضعفه وتعلُّقه.

 

  • اجعلي لطفلك يوميّاً وقتاً مخصَّصاً له، واجعلي ذلك بناءً على خطَّة متفق عليها بينك وبينه، بحيث يعرف بأنَّ لك الحق في أداء مهام منفصلة عنه في حال انتهاء وقته المخصَّص، وتلك تعد من أكثر الخطوات العلاجيِّة فاعليَّة؛ لأنَّ في ذلك تحقيق أمان وثقة له بتواجدك الأكيد خلال وقته، إضافة إلى أنَّه سيدرك تماماً بأنَّه صاحب مسؤوليَّة وقرار من خلال ما وضعه برفقتك من خطَّة وتعاقد تربوي.

 

  • عليك بشرح أسباب غيابك وتوضيحها، وتحديد فترة غيابك عندما تضطرين لذلك، ودون هروب من مواجهته عند قرار الخروج وتركه مع أحد من المساهمين في تربيته كالأب أو الجدة أو الخالة وغيرهم؛ لأن في ذلك غرس لثقة متبادلة بينكما، بينما غيابك المفاجئ وغير المتوقَع منه قد يسبب له صدمة نفسيَّة تلازمه فترة طويلة.

 

  • أسعدي طفلك مع آخرين غيرك من أفراد الأسرة والأعضاء المساهمين بتربيته، من خلال خلق أجواء مدروسة من المتعة بينهم، نفيدك ببعض الأمثلة: ساعة من اللَّعب الحر مع أحدهم مع تواجدك ومراقبتك عن بعد، خروج مع أحدهم لفترة وجيزة لشراء بعض المستلزمات، حضور مناسبة مع أحد المقربين والأصدقاء، تنزُّه في حديقة للأطفال مع عناية أحدهم، صنع بعض الحلوى مع أحد الأقارب داخل منزلك.

 

  • اجعلي طفلك من يخرج برفقة الآخرين الثِّقة ويتركك هو قبل أن يتحسَّب لغيابك وتركك له.

 

  • دربي طفلك على مسؤوليَّات قياديَّة من خلال حلقات اللَّعب الجماعي بينه وبين أقران من فئته العمريَّة.

 

  • اجعلي لطفلك مساهمات فاعلة يشاد بها على نطاق الأسرة، كأن يكون مسؤولاً عن تدريب أخيه –إن وجد- مثلاً على غسل يديه، أو ترتيب ألعابه، أو مساعدتك في إعداد الوجبات، واستقبال الزَّائرين، واختيار الفعاليِّات التَّرفيهيَّة الخاصَّة بالأسرة.

 

  • ساعدي في بناء علاقة قويَّة بين طفلك ووالده، فما ينشأ بينهما من ارتباط قوي سيساعد طفلك للخروج من محيطك الذي يحاصره.

 

  • اجعلي قراراتك واضحة، وهادئة، وخالية من الانفعال، مع استقبال رفض طفلك بقوة وحزم، فعندما تخبريه بأنّ لديك مهمة بعيداً عنه لا تكوني ضعيفة؛ لأنَّه يعلم بأنّه قادر على استغلال ضعفك من خلال حدَّة بكائه أو أي سلوك آخر يضغط عليك به، وسيعتاد مع الوقت بأنَّك عائدة من جديد له مع كامل الحنان والعطف.

 

  • كثِّفي حول طفلك الأنشطة والمهارات المنوَّعة التي ستكسبه ثقة بنفسه وقدراته؛ مما يجعله قادر على استمداد القوة من ذاته، وتقبُّل كينونته واستقلاليِّته عنك وعن الآخرين، بالتَّأني والتَّدريب والتَّدرج للوصول إلى تلك الاستقلاليِّة، ومن تلك الأنشطة الحياتيَّة: السِّباحة، حلقات قراءة القرآن، الرَّسم والتَّلوين، اللعب الحر، قراءة القصص المصوَّرة وتصفُّحها، ركوب الدَّراجة، إعداد الوجبة الخاصَّة به، وغيرها كثير.

 

  • اجعلي جوانب طفلك الإيجابيَّة محور التَّركيز في كافة المجالس، وعزِّزي ذلك بالثناء عليه وعلى ما يؤدِّيه؛ مما سيزيد من ثقته بنفسه والارتقاء إلى مستوى الاستقلاليَّة.

 

  • احرصي على توفير بدائل جاذبة وآمنة لطفلك قبل تركه أو الابتعاد عنه.

 

  • عند تفكيرك بالخروج أخبريه بأنَّ لديك مهمَّة خاصَّة، وأنَّك ستعطينه فرصة للعب في مكان مخصص له، أو اصطحابه لأداء نشاط يحبه بعد عودتك، أو في اليوم الآخر.

 

  • العبي مع طفلك لعبة تبادل الأدوار بشكل متواصل، واجعلي لعبتك لهذه الفترة بأن يمثِّل هو دور الأب الذي سيذهب لشراء مستلزمات الأسرة، ويعتذر من أبنائه لأنَّه لا يستطيع مرافقتهم هذه المرَّة، بينما سيأخذهم للعب في المرة القادمة.

 

    وأخيراً: نسأل الله السَّداد والتَّوفيق لكما.