السؤال:

     في الفترةِ الأخيرة تقدَّم لي خاطبان، وأرى أن البون بين كليهما شاسعٌ جداً، لكن على الرغم من هذا، إلا أن كليهما مناسبٌ للزواج؛ مما صعَّب عليَّ مهمة الاختيار بين الاثنين!

     الأول منهما يكبرني ب 20 سنة، لا يحملُ شهادةً جامعية، ومطلقٌ لأسبابٍ دينية؛ فالزوجة الأولى لم تقبل أن تعيش معه في ظل الشرع، وهو مقيمٌ بأوروبا، وحالته المادية جداً رائعة، وهو أبٌ لطفلين، ومصرٌّ على الزواج مني دون أن يراني؛ فقط لأنه معجبٌ بعائلتي؛ كونها أسرةٌ ملتزمة، ولعلمه أنني فتاةٌ متدينةٌ فهو مستعدٌّ لأي شيءٍ مقابل أن أقبل الزواج منه، كما أن شعبيته اتَّسعت بين عائلتي، وأُسرتي أقرب من أن توافق عليه مبدئياً.

     أما الثاني، فيكبرني بخمس سنوات، يدرس معي بالجامعة، في نفس الشعبة، على درجةٍ عاليةٍ من الأخلاق والدين، مقيمٌ في مدينتنا، وحالته المادية ميسورة، وعندما أراد أن يخطبني لم يجرؤ على الحديث معي، وإنما جعل أخته واسطةً بيننا، كما أنني أحس بحبه لي، بالرغم من أنه لم يكلمني يوماً. أما عن حظوظه في الوسط العائلي، فتكاد لا تُذكر أصلاً؛ بحكم أنهم يجهلونه، على عكس الأول الذي باتوا يعرفونَ عنه كل صغيرةٍ وكبيرة، مع العلم أن فرصتي في الوقت المتاح لي للتفكير تتلاشى تدريجياً، دون أن يجدَّ جديد.

    أنا حقاً في موقفٍ لا يُحسد عليه، فأفيدوني أفادكم الله، وباركَ الله في علمكم، وشكرَ سعيكم، ودمتم في رعاية الله وحفظه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الإجابة: د. عبد الرحمن السنوسي

الأخت الفاضلة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

     بالنسبة للتساؤل الذي تكرَّمتِ بطرحه؛ فإننا بمقدار ما نُثمِّن حرصَكِ على التزام ما تقتضيه الحكمة والتروي في هذا الموضوع، فإننا نود أن نلفت نظرك إلى أن اختيار الزوج المناسب ليس بالأمر السهل؛ لما يكتنفه من عراقيل أو عوامل قد تتداخل؛ مما يوقع المرأة أو الرجل في الخطأ وسوء التقدير؛ لهذا: نحب أن نضع بين يديك هذه المعالم، التي نظن أنها تُساعدك إن شاء الله في هذا الصدد:

– أول خطوةٍ وأهمها عند اختيار الزوج المناسب هي: اللجوء إلى الله تعالى، والتضرع إليه، وسؤاله التوفيق في كل الشؤون والحاجات؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} فتوكلي على الله، واستخيري على النحو المشروع، وأكثري من الدعاء وسؤال الله التوفيق لما فيه خير دنياك وآخرتك.

– من خلال سؤالك يبدو أنك حسمت الأمر مبدئيا؛ حيث إنك ترجحين اختيار إنسانٍ تعرفينه جيداً، ويناسبك من حيث العمر، ومن حيث الاهتمامات، والأخلاق، والصفات، وكثير من الجوانب؛ وارتياحك له كزوجٍ للمستقبل؛ وهذا واضحٌ من خلال عباراتك، لكنك وقعت تحت ضغط ميول عائلتك لشخصٍ آخر لديه تجربة زواجٍ فاشل، وعنده أولادٌ من الزوجة السابقة، وهو بعيدٌ عن البلد، وأنت لا تعرفينه، ولا تدرين عن شيءٍ من صفاته وأخلاقه، وإنما سبَّب لك الحيرة ميل عائلتك إليه، ولا شك أن الأمر يعنيك أنت بالدرجة الأولى؛ لأنك أنت التي سوف تعيشين مع الزوج، وليس أهلك، ومن المحذور في هذا الباب أن كثيراً من أهالي الفتيات قد أقاموا تصوراً عمن يقيم في الغرب على أنه هو فقط الإنسان الناجح الذي يملك كل مقومات إسعاد ابنتهم، وهذا خطأ فادح؛ إذ قد يكون ذلك صحيحاً، وقد يكون خاطئا، وبإمكانك إذا تحققت قناعتك بالشاب الذي تعرفينه ويدرس معك أن تقنعي أهلك، وتراجعيهم في اختيارهم، وتؤكدي لهم أن عدم ارتياحك لخيارهم قد لا يمنحها السعادة التي يتمنونها لك، والخطوة العملية في هذا أن تطلبي منهم بلطفٍ أن يتعرفوا على الشاب الذي تعرفينه عن قرب، ويتأكدوا من دينه وخلقه ومناسبته لك اجتماعياً ونفسياً وثقافياً، ومن المؤكد أن نظرتهم ستتغير، وإن كان ذلك قد لا يتحقق بالسهولة اللازمة لأسبابٍ ليس هذا مكان شرحها.

– إن اختيار الزوج المناسب في الإسلام له معاييره وضوابطه، ولعله لا يخفى عليك -أيتها الأخت الكريمة- أن أهم معايير اختيار الزوج: الدين والخلق؛ لما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ؛ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ) رواه الترمذي. فالذي تعرفون خلقه ودينه مقدَّمٌ على من لا تعرفون خلقه ودينه، كما أن من معايير الزوج المناسب أيضاً القدرة على النفقة، ولا يشترط أن يكون غنياً ميسور الحال، بل يكفي أن يكون قادراً على الكسب والنفقة على زوجته وعياله؛ لقوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.

– ومن الأمور التي ينبغي مراعاتها من أجل زواجٍ ناجحٍ: مسألة الكفاءة في الحال، والتقارب النسبي في المستوى الاجتماعي والثقافي، والطبائع والميول العامة؛ وذلك من أجل تحقيق القدر الأكبر من الانسجامِ والمودة والتوافق.

– عليك أن تتلطفي في التعامل مع الأهل في هذه المسألة؛ لأنها حساسةٌ جداً في هذه المرحلة بالذات، فلا تذكري لهم أنك حسمت أمرك، وأنك قد اخترت زوج المستقبل وانتهى؛ لأن الأمور لا تسير على هذا النحو، وإنما قومي بشكرهم على حرصهم على مصلحتك، واهتمامهم بمستقبلك، وأخبريهم بأنك تودين منهم أن يتريثوا، وأخبريهم بأن الحكمة تقتضي دراسة كل الخيارات المتاحة، والموازنة بين إيجابياتها وسلبياتها، وبعد ذلك اطلبي منهم أن يتعرفوا على الشاب الذي يدرس معك، وبعد المدة الكافية للموازنة بين هذه الخيارات، حاولي معهم بصدقٍ أن تختاروا معاً الشخص الأقرب إلى تحقيق مقاصد الزواج، والأكثر تناسباً مع معايير الزوج التي سبق ذكرها آنفاً.

– لابد عند اختيار الزوج المناسب أن لا ينظر فيه إلى جانبٍ واحدٍ فقط، كالمال أو الشكل أو الجاه، أو غير ذلك، وتذكري أن القاعدة الذهبية في اختيار الزوج هي: ضرورة وجود توازن بين الصفات والمعايير المطلوبة في الزوج المناسب، وأكبر خطأ أن يتم التركيز على معيارٍ واحدٍ فقط.

– وأخيرا: حكِّمي العقل، وعليك بالتروي والحكمة، ولا تتسرعي في حسم الاختيار تحت ضغط الأهل، أو تحت تأثير الضغط النفسي الذي قد تحشرين نفسك في زواياه، وعليك بالاستشارة والاستخارة، واقلبي الأمر على كل وجوهه واحتمالاته، والله تعالى لن يخيِّب رجاءك فيه -إن شاء الله-.

     بارك الله فيك، وأصلح حالك، ورزقك الزوج الذي يحقق لك سعادة الدارين.