السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لديّ طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات، وهو لا يتحدث بوضوح، ولا أستطيع أن أفهم ما يريد، وألاحظ عليه أيضًا أنه لا يتجاوب مع الذين خارج محيط البيت، حتى لو كان عمه أو خاله، علمًا بأنه أول أطفالي، ولديه أخٌ.

أفيدوني جزاكم الله خيرًا.

الإجابة: أ. أميمة صوالحة

بسم الله والحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله،،، وآله

وعليكم السَّلام ورحمة الله وبركاته، وبعد:

    عزيزتي الأم السَّائلة: يسعدنا توجهك للاستشارة من خلال موقعنا، كما نفخر بوعيك، وسعيك المحمود –بإذن الله– للتدَّخل المبكِّر في علاج المشكلة اللغويَّة عند طفلك، والتَّعرف على أسبابها، ونسأل الله أن نعينك في ذلك ونقدِّم لك الفائدة المأمولة.

    الحصيلة اللغويَّة عند الأطفال هي عبارة عن مهارات مكتسبة يتعلَّمها الطِّفل من خلال إثراء البيئة بالمثيرات المحفِّزة، التي تعزز قابليته على الاكتساب والتَّخزين منذ لحظة ولادته الأولى، وتنشأ في بداياتها على شكل أصوات تتطور تدريجيًّا حتى يصاحبها إيماءات، ثم تظهر على شكل كلمات، وبعدها تتشكل بصورة تطوريَّة متسارعة لتكوين الجمل والعبارات.

    مشكلة التأخر اللغوي عند الأطفال، إحدى المشكلات الشَّائعة في مراحل الطُّفولة المبكِّرة، وليس من الضَّروري أنَّ جميع الأطفال المتأخِّرين في استخدام اللغة لديهم مشاكل مصاحبة، وأريد لك الطمأنينة؛ ففي كثير من الحالات يتأخر الأطفال حتى عمر الثالثة والرابعة أحيانًا من العمر، ومع بعض التَّوجيهات التَّربويَّة يبدأ بالكلام ثم ينطلق حتى تصبح مهاراته اللغويَّة متكاملة، وناضجة بما يناسب عمره، كما يعد عمر الثالثة هو بداية انطلاقة حقيقيَّة وسريعة في النَّمو اللغوي، ويستمر بنفس التَّطور النَّمائي المتسارع حتى سنّ الخامسة ليصبح عندها الطِّفل على قدر لا يستهان به من الحصيلة اللغويَّة.

     تعود مشاكل التَّأخُّر اللغوي للعديد من الأسباب وغير المحددة، بمقاييس عالميَّة، وإنَّما خبرات وتجارب بحثيَّة، ونستطيع إرجاعها بصورة عامَّة إلى الأسباب التَّالية، وقد لا ينطبق على طفلك غير القليل منها، فلا تقلقي للأمر:

أولًا: عوامل بيئيَّة اجتماعيَّة ونفسيَّة:

  • فترة الحمل، وأهميَّة النمو واكتمال الفترة لمدة لا تقل عن 39 شهرًا، والرِّضاعة الطَّبيعيَّة.
  • الاضطربات الأسريّة والخلافات الزَّوجيَّة التي تؤثر على نفسيّة الطفل، وتؤثر على تطور مهاراته بشكلٍ عام.
  • القسوة أو الإفراط في الحرص والحماية.
  • عدم التحدُّث للطفل بكلمات واضحة، وقلة التّنوع في استخدام الكلام مع الطِّفل.
  • ترك الطفل لتربية العاملة المنزليَّة غير الناطقة باللغة السَّويَّة، لفترات طويلة من النَّهار.
  • الطِّفل الأول، وما يتعلق بذلك من تبعات تربويَّة كثيرة، أهمها عدم توفر القرين النموذج من الأخوة، كعامل معين في اكتساب اللغة.

ثانيًا: عوامل عضويَّة ووراثيَّة:

  • ترتبط بعض مشاكل تأخر اللغة بوجود تاريخ سابق لأحد أفراد العائلة بمشاكل لغويَّة مشابهة.
  • بعض التَّشوهات الخلقيَّة في اللسان والشفتين أو عيوب في الحنجرة.
  • خلل في الجهاز العصبي متعلِّق بمراكز النُّطق في الدِّماغ.
  • ضعف السَّمع أو بعض المشاكل المرتبطة بالسمع مثل: (الماء خلف طبلة الأذن).
  • تأخر نمائي عام في المهارات نتيجة خلل وظيفي أو تأخر عقلي.

    إليك بعض المهارات اللغوية بصورة عامَّة، والتي من المفترض أن تكون عند طفلك في عمر 36 شهرًا أو ما يعادل ثلاث سنوات، ولا يعني تأخره في إتقانها وجود خلل عضوي، بينما يرتبط التأخر النمائي للمهارات على الغالب بنقص التَّدريب وخلل بيئي:

  • يستجيب للتعليمات المركبة من أمرين أو أكثر( مثل أحضر قلمًا، وأغلق الباب).
  • يسمي الأصوات في بيئته.
  • يستخدم صيغ الجمع بشكل عام، مثل ( كرة، كرات).
  • يتحكم بدرجة صوته 90% من الوقت.
  • يجيب عن الأسئلة الموجهة إليه.
  • يركِّب جملًا بسيطةً مكونة من اسم وفعل أو اسم وصفة، ويستخدم صيغة الملكيَّة، كأن يقول: سيَّارة بابا، بابا راح، كرسي أحمر، صحن صغير.
  • يذكر اسمه وأسماء أفراد عائلته.

بينما يظهر التَّأخر اللغوي واضطرابات الكلام على عدَّة أشكال عند الأطفال، وتظهر إما على شكل تأخر عام في الحصيلة اللغويَّة أو على شكل نطق الحروف بشكل غير واضح، وإبدالها بحروف أخرى مثل: حرف (ل) بحرف (ي) أو حرف (س) بحرف (ش) أو تحريف الكلمات بشكل عام، وقد لا تستوجب التَّدخُّل العلاجي في بعض الأحيان، ونكتفي ببعض الإرشادات والتَّدريب المنزلي للأطفال، والذي سرعان ما يُحدث تقدُّمًا ملموسًا في النُّطق.

عزيزتي الأم: لا شك أنَّك الآن تدركين مستوى التَّأخر اللغوي عند طفلك نسبيَّاً، وسأفيدك باجراءات تحليليَّة للإطمئنان عن وضع طفلك الغالي، مع بعض الأساليب التَّطويريَّة للغة واستخدام الكلام:

أولًا: في حال كان التأخر اللغوي والتَّباين بين طفلك والأقران من نفس فئته العمريَّة كبيرًا، يفضل إجراء الفحوصات الطِّبيَّة الشَّاملة، لتحديد وجود خلل عضوي من عدمه، وإصدار التقرير الطِّبي المفصل للتحقق من سلامة الأجهزة المسؤولة عن النطق والكلام والسمع، وفي حال وجود أي خلل -لا قدر الله– يلجأ الطبيب المختص بالإجراءات الطبيَّة اللازمة، والتي تعمل على تحسين الوضع الصحي، وتزيد من جاهزيَّة الطِّفل لاستقبال اللغة ثمَّ استخدامها.

ثانيًا: غالبًا ما يساعد تسجيل الطِّفل في دور الحضانة والرِّعاية في برامج التَّدخل المبكر للأطفال في تطوير مهارات اللغة، من خلال وضع خطط فرديَّة متخصصة في تنمية المهارات النَّمائيَّة، إضافة إلى الأنشطة واللعب الجماعي بين مجموعات الأطفال الذي يزيد من قدرة طفلك على اكتساب الخبرات اللغويَّة وإعادة تشكيل بنائها واستخدامها بصورة أكثر وضوحًا.

ثالثًا: توجُّهك لتغيير العادات التَّربويَّة في الحديث مع طفلك، بحيث تساعدينه على اكتساب اللغة، عن طريق الاقتراب منه، والتَّحدث إليه بنبرات واضحة، وسرد القصص اليوميَّة، مع ربط الكلمات بالصُّور، والتَّدريب بتكرار الكلمات عليه لأكثر من مرة، وبالنسبة لأصوات الكلمات ومخارج الحروف، فغالبًا ما تتحسن مع مرور الوقت، وتصبح أكثر وضوحًا.

رابعًا: اجعلي لطفلك مرتين أسبوعيًّا على الأقل، أنشطة جماعيَّة داخل المنزل وخارجه بصحبة أقران من فئته العمريَّة، مع إعداد البيئة بما يناسب من أدوات محفزة على التَّواصل اللغوي واكتساب المهارات اللغويَّة، وأشرفي على ذلك بنفسك، ردِّدي الأناشيد برفقتهم، سمِّي الأشياء من حوله، كرري ذلك، اسألي الأقران عن الأسماء، واسألي طفلك، سيردد ذلك خلفهم مع الوقت.

خامسًا: أعيدي على طفلك ما تطلبينه منه، واطلبي منه إعادة ما لم تفهميه من كلمات، دون أن تنتقدي صوته، بل تعذَّري بأنَّك لم تسمعيه جيِّدًا، حتى لا يفقد ثقته بالحديث.

سادسًا: خففي على نفسك الأعباء وعن طفلك، فلا تجعليه يلمس توترك أو قلقك تجاه المشكلة، للحفاظ على تلقائية تعلمه، وانخفاض حدة قلقه، ورفع معنوياته النَّفسيَّة.

سابعًا: قومي بتعزيز جميع محاولاته الكلاميَّة النَّاجحة، بالإطراء والمديح، والفخر بما أنجز، ولا تتعجَّلي عليه استخراج الكلمات وامنحيه ما يكفي من الوقت، فغالبًا ما يختزن الأطفال الكلمات في الذَّاكرة ويعيدون استخدامها في مواقف تربويَّة لاحقة ومناسبة لهم.

أخيرًا: تأكدِّي -عزيزتي- بأنَّ الأطفال الأكثر قابليَّة للتَّعلم، هم أولئك الذين ينعمون في بيئة أسريَّة محفِّزة تعمل على تشجيع الكلام والحوار، وتخلق أجواءً مناسبة من المرح الذي ينقل إلى الطِّفل الخبرة التَّعليميَّة أيًّا كانت بأساليب شيِّقة وممتعة مصحوبة بالتَّنغيم، واللَّعب، والتكرار، وكذلك النَّمذجة والتقليد.

دعائي لك: أن يمنَّ الله عليك بطفلٍ مبدعٍ، ويحفظه، ويجعله قرة عينٍ لك.