السؤال:

    ابنتي عمرها 12 سنة، خلوقة ومؤدبة وموهوبة، ولديها نشاطاتها وهواياتها من رسم وقراءة، ولحبي لها ولهواياتها وثقتي بتربيتي لها، تركت الجهاز بين يديها ثقة فيها وفي ما تستخدم الجهاز به من برامج تساعدها لتطوير مهارتها، والمشكلة بدأت من الجهاز، وجدتها يوماً تقرأ قصصاً عن الجنس ومواضيع مخلة بالأدب بـ”قوقل” وعاقبتها وحرمتها من الجهاز فترةً من الزمن، ومع الأيام والدها قرر أن يعطيها الثقة من جديد وأعطاها إياه، واستمرت الثقة 4 شهور والأمور مستقرة، وللأسف وجدتها يوماً تشاهد صوراً جنسية فضيعة من الانستقرام، وصدمت من رؤيتها تشاهد هذه الصور، وصدمة عمري في ابنتي أني ما توقعت أبداً أنها ستعاود الخطأ مرة أخرى.

 

    قمت بضربها والصراخ عليها، وبعدت عنها لساعات، فعادت تعتذر نادمة وتبكي، والكلمة التي استغربت منها: أنا لا أعلم ماذا أفعل! أريد أن أرجع كما كنت يا أمي..

 

    هذه مشكلتي، وأتمنى أن أجد حلاً، ماذا أفعل؟ وماذا أقول لها؟ وكيف أشرح لها؟ أتوقع أن لديها فضولاً عن هذا الموضوع، ولكن لا أعرف ماذا أقول! وما الموقف الذي أفعله عندما تواجهني هذه المشكلة؟ هل هو العنف أو الحرمان، أو ماذا؟

الإجابة: أ. أميمة صوالحة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. شكراً على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم “مستشارك الخاص” وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:

 

    حيَّاك الله عزيزتي الأم، يثير اهتمامنا ما وصلنا من مشاعر القلق الصَّادق والرَّغبة الجادَّة في تعديلٍ جذري لحالة طفلتك وفضولها الجنسي، من خلال كلماتك الواعية، كما نرحِّب باستقبال استفساراتك واستشارتك التي  تحمل مشكلة اجتماعيَّة حسَّاسة تواجه عدداً غير بسيط من جيل أبنائنا الحالي؛ نظراً للتَّطورات التكنولوجيَّة والتي خرجت إلى حد ما عن نطاق سيطرة التَّربويين عموماً، سواء كانوا أولياء أمور أو غيرهم.

 

    ومع ذلك لن نخفف عنك أمراً أشرت إليه بأنَّه ” صدمة عمرك” بأن نقول لك بأنَّ الأمر يعد خللاً طبيعيَّاً مع تطورات العصر التُّكنولوجيَّة، أو أنَه فضول طبيعي يمارسه الأطفال من الجنسين مع بدايات سن المراهقة، وإحالة المشكلة إلى حب الاستطلاع والفضول الجنسي، والذي تعزو الكثير من الدِّراسات التَّربويَّة مشاكل المراهقة الجنسيَّة لذلك الأمر.

 

    بينما نقول لك بأنّ في ذلك ظلماً لحقيقة عظيمة، وهي حقيقة الإنسانيَّة المترفِّعة واختلافها التَّام عن الاندفاع نحو مشاعر غريزيَّة دون التَّقِّيد بالحفاظ على ضوابط دينيَّة تربويَّة واجتماعيَّة.

 

     ونؤكِّد لك بأنَّ الخلل السُّلوكي الذي تمر به طفلتك هو خلل اجتماعي ونفسي مركَّب، ويتداخل في تشكيله كثير من السَّلبيَّات التَّربويَّة في إعداد نفسيَّة الأبناء منذ بواكر الطُّفولة لاستقبال المعلومات الخاصَّة بالثَّقافة الجنسيَّة بأساليب خالية من الدَّهشة والفضول المميت، للوصول إلى تفاصيل دقيقة عن طريق البحث غير المشروع، واللجوء إلى وسائل مدمِّرة فكريَّاً ونفسيَّاً وتتنافى مع ضوابط الدِّين والتَّربيَّة.

 

    أولاً: لا شك بأنَّ هناك جزئيَّة من مشكلة طفلتك متعلِّقة بطبيعة العوامل المحيطة والتي تندرج كالتالي:

 

    – طبيعة المرحلة العمريَّة، والاندفاع نحو التَّعرُّف على حقيقة خفيَّة من حقائق الحياة البشريَّة.

 

    – بُعد طفلتك بشكلٍ نسبي عن صداقة حقيقيَّة معك كأم؛ مما جعلك غير قادرة على استيعاب ما يدور في ذهن طفلتك، لتجدي نفسك أمام صدمة غير منتظرة، على الرَّغم من توسُّع محيطها.

 

    – علاقات الصَّداقة في حياة طفلتك في هذه المرحلة قد تحمل ما يزيد عن نسبة 60% من توجُّهاتها الفكريَّة والتَّربويَّة.

 

    – بعض المناهج التَّربويَّة تطرح بعض المعلومات العلميَّة الجنسيَّة، في مراحل معيَّنة، مما يوجب على الأسرة أن تكون جاهزة في هذا الوقت لدعم تلك المعلومات العلميَّة بركائز تربويَّة ودينيَّة تمكِّن الأبناء من التَّعامل مع تلك المدخلات بأساليب واعية، ودون صدمات نفسيَّة، وتمحور كامل حول تلك البيانات.

 

    – الأجهزة الذَّكيَّة وكثير من البرامج المتوفِّرة على تلك الأجهزة.

 

    ثانياً: نعينك بتوضيح لبعض الاستراتيجيَّات التَّربويّة في إعداد الأبناء نفسيَّاً تجاه الثَّقافة الجنسيَّة، منذ مراحل طفولتهم الأولى، والتي تعد جانباً وقائياً:

 

    – عدم التَّحرُّز المبالغ فيه من قبل الأبوين أمام الأطفال، نحو إظهار عاطفة الود والرَّحمة التي أوجدها الله بين الزَّوجين، مما يخلق عند الأبناء صدمة نفسيَّة مع بدايات تسرب معلومات خاصَّة حول العلاقة الجنسية عن طريق جهات مختلفة ومتعدِّدة.

 

    – كسر حاجز الرَّهبة بين الأطفال والآباء، وإيجاد شَّراكة حقيقيَّة في تبادل الآراء، وطرح الأمور التي تشغل تفكير الأطفال وعلى جميع الأصعدة بأساليب واعية، ودون تعقيد أو تشدُّد، ودون انفتاح متزايد، بحيث يتم الإجابة على استفساراتهم الطُّفوليَّة بمنطقٍ متناغم مع تلك الطفولة وتلك البراءة.

 

    – لا ضرر من استقبال الزوج بذات الطَّريقة التي يستقبل بها أطفاله من خلال أخذه بالأحضان والقبلات التي سيعتاد عليها الأبناء مع مرور الوقت بأنَّها صفة الود الخاصَّة بين الرَّجل والمرأة، والتي لن تكون بالنِّسبة لهم شيئاً غير أليف مستقبلاً، بل ستهيِّئهم تدريجيّاً؛ لأنَّ العلاقة الخاصَّة المشروعة الوحيدة هي العلاقة الزَّوجيَّة التي شرَّعها الإسلام.

 

    – اطلاع الأبناء على حقيقة وجود علاقة خاصَّة بين الأب والأم، دون ذكر تلك العلاقة بصفتها لفظيَّاً، بل من خلال استشعار الخصوصيَّة في:

 

    عدم السَماح للطفل بالنَّوم مع الوالدين.

 

    منع الطِّفل من دخول غرفة الوالدين إلا بعد الاستئذان.

 

    استعداد الأم وإعداد نفسها وبيتها لاستقبال الأب عند عودته للمنزل.

 

    بذلك أنت تقدمين رسالة نموذجيَّة لعلاقة خاصة بين شخصيَّات نموذجيَّة في حياة طفلتك وهما والداها؛ مما سيعينها على استقبال افكار مستقبليَّة حتميَّة عن العلاقة الجنسيَّة، وسمو هدفها الدِّيني والاجتماعي، ومن ثمَّ عدم التَّمحور الفكري السَّلبي حول صدمة نفسيَّة عن علاقة متنافيَّة كليَّاً مع طبيعة الحياة التي اعتادت مواجهتها.

 

    تعريف الأطفال بهويتهم الجنسيَّة منذ بواكر العمر من خلال:

 

    توضيح نوع جنسه سواء كان ذكراً أو أنثى.

 

    تدريبه على الاختلاف الجسدي بين الولد والبنت، بمفاهيم دانية من قدراته ومدى استيعابه، حيث يصبح الطفل مع بداية عمر الثّالثة قادراً بجدارة على إدراك ذلك الاختلاف بينه وبين الجنس الآخر.

 

    تعريفه بخصائص الاختلاف بين الولد والبنت من خلال طبيعة الملابس والألعاب، والوظائف الحياتيَّة الوظيفيَّة المترتِّبة على كلّ جنس.

 

    تدريب الطفل على ضرورة الشراكة الخاصة بالاندماج واللَّعب مع أفراد جنسه، والانشغال بالاهتمامات التي تحاكي جنسه.

 

    ثالثاً: ثمَّ نحيطك بجوانب تربويَّة علاجيَّة للمشكلة، نأمل بأن تكون فاعلة في مساعدة طفلتك جذريَّاً:

 

    من غير النّاجح تربويَّاً ضرب طفلتك تجاه السُّلوك غير المتوقَّع منها، وكذلك لا يجب تعظيم الأمر لدرجة قد تعرِّض طفلتك لصدمة نفسيَّة مضاعفة، والإجراء الأكثر نجاحاً هو سحب الجهاز عنها بصورة جذريَّة، وحرمانها منه، وتوضيح أسباب ذلك بالحوار وبعض السِّياسة التَّربويَّة، مثل:

 

    أن تخبري طفلتك بأنَّه تم حرمانها من الجهاز لأنَّها لم تكن على درجة كافية من الأمانة الدِّينيَّة والتَّربويَّة في استخدامه.

 

    أنها تفتقر إلى القدرة على مراقبة الذَّات ومنع نفسها من ارتكاب معصيَّة بينها وبين نفسها، وأنَّها لم تستشعر برقابة الله لها، ولم تعلم بأنَّه يراها ويحاسبها قبل والديها.

 

    أخبريها عن حزنك والألم الذي سببته لك نتيجة فعلها، وأنَّ في ذلك خذلاناً لما تتوقعينه من طفلتك الموهوبة.

 

    أحسنت الابتعاد عنها والامتناع عن التَّواصل معها لفترة؛ مما سيتيح أمامها فرصة ذهبيَّة لمحاسبة نفسها.

 

    لا تتنازلي عن رفضك وحزنك الشديد أمام ما فعلت.

 

    أخبريها بأنَّها تعرضك كأم للحساب معها أمام الخالق كونك المربيَّة الأولى لها والمسؤولة أمام جلاله –سبحان وتعالى– عن أفعالها.

 

    لا تفكِّري مطلقاً في إعادة الجهاز لها تحت أي ضغوط أو حاجة علميَة لاستخدام الجهاز.

 

    أخبريها بأنَّها ستعود لوسائل البحث العلمي عن طريق المكتبات العامَّة فقط؛ لأنها لم تحسن استخدام الوسائل الحديثة.

 

    أطلعيها على خصوصيَّة بقاء ما علمت عنها من سوء استخدامها للجهاز سرَّاً بينك وبينها، وأنَّك لن تطلعي أحداً على ذلك حتى والدها؛ لكي لا تفقد حياءها أمام الآخرين من أفراد الأسرة.

 

    وجِّهي طفلتك لضرورة الاستعجال بالتَّوبة الخالصة بنيَّة نيل مرضاة الله، وابدئي ذلك بدفعها للاستغفار، والوضوء وصَّلاة ركعتين بخشوع؛ ليدخلها الله في كنف رعايته وحفظه من مخاطر ما حاولت العبث به.

 

    أخبري طفلتك بأنّك قادرة على الإجابة عن استفساراتها الخاصَّة حول المعلومات الخاصَّة بالثَّقافة الجنسيَّة وبأساليب علميَّة، وبأنَّك في كل مرحلة ستطلعينها على ما يناسب عمرها من معلومات.

 

    أخبريها بأنَّ في متابعة المواقع الإباحيَّة خدشاً لطفولتها وبعداً عن براءة عمرها الذي يوجب عليها التَّحليق في عالم الطُّفولة، والاستمتاع بهذا الوقت والعمر الذي سيعيش في ذاكرتها مدى حياتها الباقية.

 

    أخبري طفلتك بأنَّ الإنسان مجبولٌ على الخطأ، ولكن باب العودة عن الخطأ باب عظيم لا يلبث مشرعاً للطالبين، فلا تجزع من الخطأ، ولكن تتمسك في معاهدة الذَّات على عدم العودة له.

 

    عند طفلتك الآن جاهزيَّة لاستقبال نصائحك وبنود الاستشارة التَّربويَّة؛ كونها أعلنت ندمها عن فعلتها.

 

    اقتربي أكثر من طفلتك، وتلك القرابة لابد أن تكون من خلال علاقة صداقة قويَّة تجعلها قادرة على إطلاعك على حقيقة ما يدور حولها بكافَّة المجالات.

 

    أغمري عقل طفلتك باهتمامات وتطلعات مشتركة بينك وبينها، بحيث يبتعد تفكيرها عن الحصر في أفق ضيقة لمعلومات يجب أن تكون عابرة للعلم فقط وليس البحث والتَّجربة.

 

    وضِّحي لطفلتك مع كلَّ مرحلة عمريَّة طبيعة الاهتمامات التي تناسبها، وذلك يبدأ منذ مراحل مبكِّرة، كأن تخبريها بأنها الآن مع عمر الثَّانية عشر قادرة على تقديم العون والدَّعم للأسرة في مجالات تناسب مهاراتها.

 

    كثِّفي في حياة طفلتك الأنشطة الرِّياضيَّة والثَّقافيَّة والدِّينيَّة التي ستشغل فراغها وتبعدها عن ممارسة توجُّهات غير لائقة اجتماعيَّاً.

 

    اجعلي طفلتك شريكة لك في صلاتك، وقراءة القرآن، ودعيها تلمس خشوعك وعظمة من تقفين بين يديه.

 

    لا تكوني بعيدة قيد أنملة عن صداقات طفلتك، واجعلي من صديقاتها محور دراسة، واجعليهن داخل نطاق الرشد والنُّصح والتَّعارف العائلي.

 

    لا تكوني ذلك الهرم الذي لا تستطيع طفلتك محاكاته، بل شاركيها عمرها من لعب وتعلُّم وممارسة هوايات.

 

    اطلبي من والدها الاقتراب منها كثيراً، وغمرها بمشاعر الحب والثِّقة، فغالباً ما يكون الوالد النَّموذج العظيم في حياة الفتيات، وتبقى عيناه الحانية وقلبه الدَّافئ دافعاً لضبط النَّفس والحفاظ على الخلق العظيم الذِّي اعتادت ممارسته أمامه.

 

    اعملي على تطوير مواهب طفلتك الخاصّة بتوفير ما يلزم من أدوات القراءة والرَّسم، وحدِّثي الأدوات بشكلٍ مستمر، وشجِّعيها على تلك المهارات بالإغداق عليها بالثَّناء والتَّعزيز، وحبذا لو تم دعم تلك المواهب بالمشاركة في مسابقات من خلال المدرسة وبعض المؤسَّسات الاجتماعيَّة المعنيَّة الأخرى.

 

    اغرسي في تفكير طفلتك بأنَّ تلك العلاقة الخاصَّة علاقة قدسيَّة، إن خرجت عن الخصوصِّية واطلع على تفاصيلها الإنسان في غير ما أحلَّه الله فقدت قيمتها وإنسانيتها وهدفها السَّامي الذي أوجدها الله لأجله.

 

    اعملي على إعداد طفلتك لتكون عامل إصلاح إيجابي في محيط الصَّداقات والعلاقات الخارجيَّة، بحيث تصبح قادرة على رفض التَّوجهات غير التَّربويَّة والدِّينيَّة، فلا تكون سلبيَّة تجاه الممارسات الخاطئة التي تمارسها الأخريات من بنات جيلها ويكون ذلك من خلال:

 

    تشجيعها ودعم ثقتها بنفسها.

 

    مضاعفة جهودها ومهاراتها العلميَّة من خلال المطالعة.

 

    دمجها في برامج تربويّة خارجيَّة وداخليَّة.

 

    تكليفها بمهام عائليَّة قياديَّة.

 

    توعيتها بالجوانب الإيجابيّة السّلبيَّة للعلاقات الاجتماعيَّة.

 

    تدريبها على مهارات منوَّعة.

 

    وأخيراً عزيزتي: اجعلي الدُّعاء لطفلتك ذلك الغطاء الذي يغمرها بالأمان، ولا تتخلَّي عن الوقوف إلى جانبها لتوعيتها، وتأكَّدي مع كل خطوة من خطواتها بأنَّك المرجع التَّربوي الأوّل لها ليس أحداً غيرك.

 

    نسأل الله لكما التَّوفيق والسَّداد.